فخر الدين الرازي

104

تفسير الرازي

قدرته في إيجاده ، وإعدامه ، نافذاً سارياً من غير ممانعة أصلاً ، وأما الممكن فليس له إلا القبول والاستعداد ، ومثل هذا الشيء حقيق به أن يكون قابلاً للوجود تارة ، وللعدم أخرى من واجب الوجود ، أما قوله : * ( وإذا الأرض مدت ) * ففيه وجهان الأول : أنه مأخوذ من مد الشيء فامتد ، وهو أن تزال حبالها بالنسف كما قال : * ( ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً ) * طه : 105 ) يسوي ظهرها ، كما قال : * ( قاعاً صفصفاً * لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً ) * ( طه : 105 , 106 ) وعن ابن عباس مدت مد الأديم الكاظمي ، لأن الأديم إذا مد زال كل انثناء فيه واستوى والثاني : أنه مأخوذ من مده بمعنى أمده أي يزاد في سعتها يوم القيامة لوقوف الخلائق عليها للحساب ، واعلم أنه لا بد من الزيادة في وجه الأرض سواء كان ذلك بتمديدها أو بإمدادها ، لأن خلق الأولين والآخرين لما كانوا واقفين يوم القيامة على ظهرها ، فلا بد من الزيادة في طولها وعرضها ، أما قوله : * ( وألقت ما فيها ) * فالمعنى أنها لما مدت رمت بما في جوفها من الموتى والكنوز ، وهو كقوله : * ( وأخرجت الأرض أثقالها ) * ( الزلزلة : 2 ) * ( وإذا القبور بعثرت ) * ( الانفطار : 4 ) * ( وبعثر ما في القبور ) * ( العاديات : 9 ) وكقوله : * ( ألم نجعل الأرض كفاتاً * أحياءاً وأمواتاً ) * ( المرسلات : 26 , 25 ) وأما قوله : * ( وتخلت ) * فالمعنى وخلت غاية الخلو حتى لم يبق في باطنها شيء كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو ، كما يقال : تكرم الكريم ، وترحم الرحيم . إذا بلغا جهدهما في الكرم الرحمة وتكلفاً فوق ما في طبعهما ، واعلم أن التحقيق أن الله تعالى هو الذي أخرج تلك الأشياء من بطن الأرض إلى ظهرها ، لكن الأرض وصفت بذلك على سبيل التوسع ، وأما قوله : * ( وأذنت لربها وحقت ) * فقد تقدم تفسيره إلا أن الأول في السماء وهذا في الأرض ، وإذا اختلف وجه الكلام لم يكن تكراراً . قوله تعالى * ( يا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ) * . اعلم أن قوله تعالى : * ( إذا السماء انشقت ) * إلى قوله : * ( يا أيها الإنسان ) * ( الانشقاق : 6 , 1 ) شرط ولا بد له من جزاء واختلفوا فيه على وجوه أحدها : قال صاحب الكشاف : حذف جواب إذاً ليذهب الوهم إلى كل شيء فيكون أدخل في التهويل وثانيها : قال الفراء : إنما ترك الجواب لأن هذا المعنى معروف قد تردد في القرآن معناه فعرف ، ونظيره قوله : * ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) * ( القدر : 1 ) ترك ذكر القرآن لأن التصريح به قد تقدم في سائر المواضع وثالثها : قال بعض المحققين : الجواب هو قوله : * ( فملاقيه ) * وقوله : * ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً ) * ( الانشقاق : 6 ) معترض ، وهو كقول القائل إذا كان كذا وكذا يا أيها الإنسان ترى عند ذلك ما عملت من خير أو شر ، فكذا ههنا . والتقدير إذا كان يوم القيامة لقي الإنسان عمله ورابعها : أن المعنى محمول على التقديم والتأخير فكأنه قيل : * ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كادحاً فملاقيه ) * * ( إذا السماء انشقت ) * ( الانشقاق : 1 ( وقامت